أوروبا تواجه انسحاب أمريكا بتعزيز التعاون العسكرى (تقرير)
أوروبا تواجه انسحاب أمريكا بتعزيز التعاون العسكرى (تقرير)

مع تزايد حدة مواجهة التهديدات الإرهابية التي لم تستثن أي دولة أوروبية، وقعت الـ23 دولة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وثيقة للتعاون الدفاعي آلية «التعاون العسكري الدائم»، والتي ستمكّن الدول المعنية من توحيد الموارد المالية واللوجيستية العسكرية التي تؤهلها في مستقبل قريب لتنفيذ عمليات عسكرية ومهمات تدريب في مناطق الجوار الأوروبي، وتهدف لتعزيز التكامل الأوروبي في المجال العسكري.

تأتي تلك الآلية التزاماً بتعزيز الدفاع الأوروبي وفق المبدأ الوارد في معاهدة لشبونة، ونتيجة مبادرة فرنسية- ألمانية طُرحت خريف سنة 20الخامسة عشر، على خلفية تحولات شهدتها هندسة الأمن الأوروبي.

ووفقا لخبراء في الشأن الأوروبي، فإن الأخطار التي تهدد الأمن الأوروبي والتي تقع في شمال أفريقيا والشرق الأوسط والقوقاز، اقتضت محاولة تفعيل بند التعاون الهيكلي الدائم الوارد في معاهدة لشبونة، والذي قد يتيح توحيد القدرات العسكرية اللازمة لتنفيذ مهمات تدريب وحفظ السلام والتدخل خارج حدود الاتحاد، كذلك علي الناحية الأخري في منطقة الساحل الأفريقي حيث تهدد تنظيمات إرهابية جزءاً من القارة الأفريقية.

ومن المقرر أن يُصدر وزراء خارجية دول الاتحاد، أَوْساط اجتماع مقرر عقده في 11 ديسمبر المقبل، قراراً تشريعياً ملزماً بالنسبة إلى كل من الدول الـ23، والتي لا تضم بريطانيا وإيرلندا والبرتغال ومالطا والدنمارك. وستُتخذ القرارات في شأن المشاريع والبرامج والعمليات العسكرية، وفق قاعدة الغالبية لا الإجماع، ولا تتمتع أيّ من دول الآلية بحق النقض.

وعلى هذا النحو سيتولى خبراء مهمة انتقاء برامج التطوير التكنولوجي والمشاريع الصناعية المشتركة التي تعوّل عليها الدول الكبرى من أجل ردم هوّة التقدم التكنولوجي التي تفصل بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.

دوافع التوقيع

ثمة مجموعة من الدوافع والمحفزات التي دفعت دول الاتحاد الأوروربي لتوقيع تلك الآلية أولها: المتغيرات العالمية في المجالات الأمنية في السنوات الأخيرة، والتي كان من أبرزها ضم موسكو شبه جزيرة القرم سنة 2014 واندلاع النزاع الانفصالي في شرق أوكرانيا، إذ اعتبر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن روسيا بدلت أحادياً الحدود الموروثة عن معاهدة يالطا (1945).

ثانيها: الأزمة التي شغلت دُوِّلَ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ أجمع، جراء التطورات السياسية في دول الشرق الأسط فِي غُضُون سنة 2011 وحتى اليوم، وترتب عليها النزوح الجماعي هرباً من القتل، وفي غضون ذلك فقد في وقت سابق فقد حَدَثَ أوروبا هي الملاذ الآمن لتدفقات المهاجرين واللاجئين عبر اليونان وإيطاليا، إذ دخل أراضيها أكثر من مليون لاجئ ومهاجر في غضون شهور.

ثالثها: حدوث حالة من احتمالات تفسخ الاتحاد الأوروبي وبالتالي التقليل من قدرته في حماية أعضائه، على خلفية صدمة أوروبا باستفتاء بريطانيا على الانسحاب من الاتحاد، سنة 2016، خصوصاً أنها عضو دائم في مجلس الأمن والقوة النووية الثانية في أوروبا، إلى جانب فرنسا.

رابعها: تفاقم قلق أوروبا من توجه الإدارة الأمريكية الحديثة للرئيس ترامب والذي رفع شعار«أمريكا أولاً» في توجه ومنحى انعزالي للولايات المتحدة، وتأييد واشنطن للانسحاب البريطاني من الاتحاد.

وبغض النظر عن الخطاب التصعيدي لترامب تجاه شركاء الولايات المتحدة في الحلف أي الدول الأوروبية، فإن ذلك لا يعني نية ترامب الانسحاب من الحلف، أو الدعوة لإلغائه، وإنما استهدف ممارسة المزيد من الضغوط تجاه تلك الدول من أجل الالتزام بالنسبة المقررة للنفقات الدفاعية «ثمن الحماية» ضمن توجهاته الحديثة عموما.

وإدراكاً منها لخطورة ذلك على أمنها وعلى دور الاتحاد على الساحة العالمية، عقد الاتحاد الأوروبي قمة استثنائية في مالطا في فبراير 2017، اتفق القادة الأوروبيون فيها على أهمية وجود دور ما للاتحاد الأوروبي في النظام العالمي.

مكمل للناتو أم خطوة للاستقلال الدفاعي

يعد توقيع تلك الوثيقة حدثاً تاريخياً في مجال تحقيق الأمن والاستقرار لدول الاتحاد الأوروبي، فقد اعتبرت وزيرة خارجية الاتحاد فيديريكا موجيريني، التوقيع حدثاً تاريخياً، يفتح صفحة جديدة في قام بتسديد الدفاع الأوروبي، ويتيح زيادة تطوير القدرات العسكرية الأوروبية لتعزيز استقلالية الاستراتيجية الأوروبية.

وفي الوقت الذي ثَبَّتَ فيه وزير الخارجية الألماني زيجمار جابرييل، أن التوقيع خطوة تاريخية، تدفع في اتجاه التعاون المستقبلي بشأن القضايا الدفاعية والأمنية، أكدت وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون در ليين، أن تلك الآلية هي أمر مكمّل لحلف الأطلسي، وأن على أوروبا أن تسوّي المشكلات الأمنية التي تواجهها في محيطها.

وهنا تثور إشكالية العلاقة بين الناتو والاتحاد الأوروبي، وتؤكد إحدى الدراسات المتخصصة في شؤون الناتو، أنه لا يمكن زوال الحدود الفاصلة بين المنظمتين لعدة أسباب:

- الأول: سعي الاتحاد الأوروبي بِصُورَةِ واضحة دائم للحفاظ على مفهوم «الهوية الأوروبية» لإدراك مؤسسيه فِي غُضُون البداية أنه ليس حلفا أو كيانا دفاعيا، على غرار الناتو، وإنما هو مشروع سياسي يتضمن جوانب دفاعية وأمنية، ويعكس مفهوم القوة الناعمة، على العكس من حلف الناتو الذي يجسد مفهوم القوة الصلبة، وهو ما تعكسه مواقف المنظمتين تجاه القضايا العالمية عموما، ومنطقة الشرق الأوسط على نحو خاص.

- الثاني: أنه بالرغم من سعي دول الاتحاد لبلورة سياسة دفاعية تتقاسمها كل من فرنسا وألمانيا، خاصة عند الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي، فإن هاتين الدولتين لا ترغبان في أن تكون تلك السياسة مستقلة بِصُورَةِ واضحة تام، أو تمثل ندية للحلف، لإدراكهما أن ذلك من شأنه التأثير سلبا في حلف الناتو الذي تعده دول الاتحاد الأوروبي الضامن الرئيسي لأمنها فِي غُضُون سنة 1949، وحتي الآن.

- أما السبب الثالث: فهو أن التوجه نحو بناء سياسة دفاعية أوروبية يواجه بمعارضة بالغة الشدة القصوي من جانب الدول الشرقية داخل الاتحاد التي لا ترغب في وجود منافسة مع حلف الناتو، ولا تزال تري أن الخطر الأكبر هو روسيا، بما يمكن معه القول إن الصراع المتجمد هو السمة التي تميز العلاقة بين حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

ولا يعني ما سبق أنه لم يكن هناك تعاون بين المنظمتين بالنظر إلى التداخل في العضوية فيما بينهما، أو التحديات الأمنية المشتركة التي تواجههما، ليس أقلها أزمة المهاجرين من مناطق النزاعات. ففي الماضي، كان هناك إطار للعمل المشترك بين الحلف والاتحاد الأوروبي، والذي أطلق عليه «برلين بلس».

وفي السادس من ديسمبر سنة 2016، أي بعد نحو شهر من إِبْلاغ فوز دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، وقع كل من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في بروكسل اتفاقا أمنيا يشمل 40 اقتراحا لتعزيز التعاون في سبعة مجالات، منها القرصنة الإلكترونية، والهجرة غير الشرعية، والتعاون الاستخباراتي، وتناقل المعلومات.

وعقب انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأَوْساط الزيارة التي قامت بها تريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا للولايات المتحدة في 27 يناير 2017، أكدت «التزام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدعم حلف الناتو».

ولا يعني ما سبق أن دول الاتحاد الأوروبي تراهن بِصُورَةِ واضحة كامل على حماية الحلف لمصالحها، حيث قادت كل من فرنسا وألمانيا توجها مفاده الترويج لفكرة الجيش الأوروبي الموحد، وعلى خلفية اجتماع مجلس الدفاع الأوروبي في الخامسة عشر ديسمبر 2016، تم بالفعل طرح خطة لتعزيز الدفاع المشترك، وإقامة مقر لهيئة الأركان العسكرية الأوروبية المشتركة.

ولا شك أن جميع تلك التغيرات تستهدف تحقيق «الاستقلال الدفاعي النسبي» الذي يرتهن نجاحه بقدرة الاتحاد الأوروبي على التحول من مفهوم «التعاون المنظم»، وهو آلية عمل الاتحاد الأوروبي، إلى آلية «التعاون الإطاري»، وهي آلية عمل حلف الناتو، فتوقيع تلك الوثيقة يعد خطوة أكثر جرأة للاستقلال الدفاعي الأوروبي بعيدا خطوة أخرى عن الناتو.

مستقبل عمل الآلية

يتوقف مستقبل عمل الآلية الحديثة لدول الاتحاد الأوروبي على الموارد التي سيؤمّنها «صندوف الدفاع الأوروبي» لتمويل برامج البحوث والتطوير العسكريَين، ومشاريع الصناعات العسكرية المتقدمة. وتبلغ أَنْفَس الصندوق 500 مليون يورو لتمويل المشاريع الصناعية، و90 مليون يورو لتمويل برامج البحوث والتطوير حتى سنة 2020. ثم تُرفع تمويلات البحوث إلى 500 مليون يورو بعد تلك السنة.

ويبقى القول أن ثمة متغيرات دولية جديدة متشابكة ومتداخلة تدفع دول الاتحاد الأوروبي نحو التكامل الدفاعي والعسكري من أجل التَأَهُّب لملء الفراغ الذي قد يحدثه الانسحاب الأمريكي من حماية المظلة الأوروبية.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم