هل يمكن للسياسيين أن يتمتعوا بحياة خاصة؟
هل يمكن للسياسيين أن يتمتعوا بحياة خاصة؟

لما كان الهدف الأساسي لرجل السياسة من خلال المبادرات والأعمال التي يقوم بها هو التأثير على الناخبين، وكسب أصواتهم وتأييدهم، قصد الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، فإن ذلك يثير فضول الرأي العام للاطلاع على الجانب الخاص من حياته، ومقارنته مع ما يدعو إليه أو يعد به من إصلاحات.

لذلك تولي وسائل الإعلام خاصة الصحف – سواء منها المكتوبة أو الإلكترونية – اهتمامًا متزايدًا بالأخبار والصور المتعلقة بالحياة الخاصة للسياسيين، لكنها قد تنزلق إلى نشر كل ما من شأنه خلق نوع من الإثارة والبلبلة، عندما تخوض في مشاكل عائلية أو فضائح أخلاقية، ما دام ذلك يساهم في رفع نسبة التوزيع، أو زيادة نسبة التصفح والمشاهدة، مع ما يعنيه ذلك من تحقيق للشهرة والأرباح المادية الهائلة.

وفي المقابل أصبح كثير من السياسيين لا يرون حرجًا في أن تتطرق وسائل الإعلام إلى حياتهم الخاصة، بل ويعتبرون ذلك وسيلة لتلميع صورتهم وزيادة شعبيتهم لدى الرأي العام. لذلك لم يعد من المستغرب رؤية المرشحين في الانتخابات الرئاسية مثلا، يقومون بحملات بصحبة زوجاتهم وبعض المقربين منهم من العائلة أو الأصدقاء. كما أصبح المنتخبون يستثمرون أكثر في مجال الاتصالات والعلاقات العامة في محاولة لتحسين الصورة التي يقدمونها عن أنفسهم للناس.
ونظرًا لتداخل الجانب الخاص والعام من حياة السياسيين، فإن السؤال الذي بات يتردد كثيرًا في الآونة الأخيرة هو: هل يحق للإعلام أن يحاسب السياسيين حتى في الجانب الخاص من حياتهم؟ أما الجواب فيختلف باختلاف نظرة مواطني كل دولة إلى الحياة الخاصة لساستها (خاصة رئيس الدولة)، ومدى توسع هامش حرية التعبير على حساب الحق في الحياة الخاصة أو العكس!

ففي الدول الغربية نجد الصحافة قد تعدت في أحيان كثيرة حدود المسموح به في كشف المستور وتعقب رجال السياسة أثناء ممارسة حياتهم الشخصية، حيث يسود الاعتقاد بأن القائم بالشأن العام إذا خدع زوجته، فقد يغش المواطنين كذلك.

ويعتقد الشعب الأمريكي، أن السلوك الشخصي لرؤسائه هو انعكاس جيد لسلوكه السياسي، لذلك فإن هناك شره ونهم إعلامي لتناول الحياة الشخصية لرئيس الدولة، تعكسه الأخبار والصور التي تنشرها مختلف وسائل الإعلام، إضافة إلى غزارة الصحف المتخصصة في هذا المجال، بل وحتى السير الذاتية التي كتبت حول حياة الرؤساء في الولايات المتحدة، تضمنت أحداثا وتفاصيل شخصية (الزواج، الطلاق، عدد الأبناء، العلاقات العاطفية خارج إطار الزواج، الجانب الصحي…إلخ) سواء تلك التي كتبها الرؤساء بأنفسهم، أو تلك التي كتبها غيرهم عنهم.

تقول الكاتبة الصحفية الأمريكية كاثرين كيرستن في إحدى مقالاتها: «لم أتمكن من العثور على سيرة ذاتية رئاسية واحدة مقسمة إلى قسمين – النصف العام والخاص – على العكس من ذلك، ركزت معظم السير الذاتية على التداخل المستمر بين العام والخاص في حياة السياسيين».

وهكذا نجد مثلا كتاب «نار وغضب» للكاتب الصحافي «مايكل وولف»، الذي سلط الضوء على السنة الأولى من حكم الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، قد خاض أيضًا في حياة ترامب الخاصة، بل وذهب حد الطعن في أخلاق الرئيس! واللافت أن وولف تحدث بأريحية دون أن يضع لنفسه خطوطًا حمراء ما دام القانون يعتبر حرية الصحافة من المقدسات، وبالتالي لم يتعرض لأية عقوبة تتعلق بالتطفل على الحياة الخاصة لرئيس الدولة، وقد اكتفى فريق ترامب القانوني، بالمطالبة بالاعتذار والتراجع الكامل عن نشر الكتاب، أما ترامب فقد وصف مؤلف الكتاب بالمختل عقليًّا! وما زال ترامب يواجه سيلا من الاتهامات المتعلقة بالتحرش رفعتها ضده ممثلات وعارضات أزياء، وهو ما أبقى شهية الصحافة مفتوحة لمزيد من النبش في خصوصياته.

وفيما يخص فرنسا، فإن إرساء مسألة تعاطي الإعلام مع حياة السياسيين بدأت مع الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، حينما اعترف بنفسه للرأي العام، من خلال مجلة «باري ماتش» الأسبوعية بعلاقة كانت تجمعه بامرأة أخرى غير زوجته، نتج عنها ولادة ابنة غير شرعية.

ثم عرف هذا التطور طفرة نوعية مع نيكولا ساركوزي الذي كان يتقصد الزج بحياته الخاصة في استراتيجيته الإعلامية، وقد هيمنت أخباره وصوه مع زوجته عارضة الأزياء والمطربة الإيطالية الأصل كارلا بروني على أغلفة المجلات الفرنسية. ثم استمر هذا التطور مع الرئيس فرانسوا هولاند حين تسللت صحافة الباباراتزي إلى حياته الخاصة لتروج لوجود علاقة غرامية مفترضة بينه وبين ممثلة فرنسية. أما الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، فقد أصبح فارق السن بينه وبين سيدة الإليزيه الجديدة، حديث العالم مباشرة بعد فوزه بانتخابات الرئاسة، واهتمت الصحافة كثيرًا بسيرته الذاتية ونشرت مقتطفات منها.

هذا يعني أن الفرنسيين يعرفون الكثير عن حياة رؤسائهم، وأن الساسة في فرنسا باتوا يتقبلون التطفل على حياتهم الخاصة – ما لم تصل حد الإهانة – بسبب الضغوط القوية التي يمارسها الإعلاميون والحقوقيون عليهم، وهم بالتالي يرجحون كفة حرية الرأي والتعبير ما داموا يرفعونها – هم أنفسهم – شعارًا في حملاتهم الانتخابية.

وبينما تكشف الصحافة في الغرب عن الحياة الخاصة لرؤساء الدول على النحو السابق ذكره، فإن الأمر يختلف في الدول العربية، حيث يظل الجانب الخاص من حياة الزعماء العرب مخفيًّا، ولا تتحدث عنه الصحافة إلا بالكثير من الخوف والحذر، ذلك أنهم يحرصون دائمًا على الظهور بصورة مثالية وبمظهر الشخص الحصيف، بهدف تكوين صورة ذهنية معينة لدى الشعوب، لذلك لا يسمح للصحافة أن تشوه تلك الصورة، تحت طائلة العقوبات المقررة في قوانين الصحافة والنشر العربية، والتي تمنع المس بالحياة الخاصة لرئيس الدولة إما بعبارات صريحة أو ضمنية، وهو ما يحد من الجرأة الإعلامية، ويبقي الأمر مفتوحًا على تداول الشائعات بين المواطنين.

من جانب آخر، كثيرًا ما يتم الزج بالحياة الخاصة في الخصومة بين الأحزاب السياسية، حيث يتم توظيف وسائل الإعلام في كشف خصوصيات الخصم لإضعاف مركزه، لكي لا يصل إلى ما يصبو إليه على الساحة السياسية. وقد يصل الأمر حد إنهاء مساره السياسي، وهو ما حدث في المغرب للوزيرين الحبيب الشوباني وسمية بنخلدون سنة 2014، عندما كشفت الصحافة عن وجود علاقة أو مشروع ارتباط بينهما، الأمر الذي دفع الوزيرين معًا إلى تقديم استقالتهما من حكومة بنكيران.

ويرى العديد من المتتبعين أن تركيز وسائل الإعلام يجب أن ينصب على قضايا أكثر أهمية، حتى لا يفقد الناس اهتمامهم بالسياسات التي تنفذها الحكومة والاستفسار أكثر عن الحياة الشخصية لأعضائها، مما يعد بمثابة مشتتات تؤدي إلى التركيز على الموضوع الخاطئ.

بينما يرى الكاتب الفرنسي كلادستون GLADSTON أن «حياة السياسيين الخاصة تعتبر عامة» فالجمهور من حقه أن يعرف كل ما له علاقة بحياة السياسي الشخصية عندما تكون مرتبطة بوظيفته. فإذا كان هناك جانب من حياته الشخصية ينعكس سلبًا أو إيجابًا على أدائه لمهامه يصبح من واجب الصحافة أن تثيره.

فضلا عن ذلك يوجد قيد آخر تفرضه المصلحة العامة، حيث يجب تمكين الجمهور من الاطلاع على كل ما يتعلق بخصوصيات رجل السياسة إذا كانت هذه الأمور ستضر بالمصلحة العامة، وذلك في إطار المراقبة والمحاسبة، كالاطلاع على الذمة المالية أو الأجور التي يتقاضاها المكلفون بتدبير الشأن العام، والتي يجب أن تنشر بالجريدة الرسمية، كما يحق للرأي العام أيضًا أن يتساءل عما إذا كانوا يدفعون ضرائبهم للدولة بشكل صحيح.

إضافة إلى ذلك، لا يجب على السياسيين إخفاء حياتهم الخاصة إذا كانوا قد جعلوها عنصرًا من عناصر التواصل السياسي، من خلال تصويرهم مع زوجاتهم أو أزواجهم وأطفالهم وما إلى ذلك.

ختامًا، نظرًا لخصوصية وظيفة رجل السياسة ونشاطه ومقتضيات الديمقراطية المعاصرة، يصبح نطاق حقه في الحياة الخاصة ضيقًّا للغاية، ويجب على من ينخرط في تسيير الشأن العام أن يتوقع مسبقًا أن تكون حياته الخاصة جديرة بالتحقيق والنقاش العام، دون أن يصل الأمر حد الإهانة والتشهير.

وﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺃنه توجد صعوبة كبيرة للفصل بين ضرورة الإعلام واتخاذ الحيطة والحذر من طرف الصحفي لمنعه من التلصص على السياسيين (1)، غير أن وسائل الإعلام مطالبة بترجيح كفة المصلحة الأَولى بالحماية. فمحاسبة رجال السياسة في الجانب الخاص من حياتهم كما يمكنه أن يعزز مبادئ وقيم الديمقراطية، يمكنه أيضًا أن يوظف فقط للتشهير بهم وتشويه سمعتهم قصد نزع الشرعية عنهم، وهو ما يضع الصحفيين أمام مسؤوليتهم القانونية وواجباتهم الأخلاقية والمهنية.

موقع صحيفة الراية يقدم خالص الشكر لجميع وارنا الكرام علي حسن متابعتنا ونتمني ان نكون عند حسن ظنكم وقدمنا خبراً ينا أعجابكم ، ، حيث تم نقل الان الخبر عبر موقعنا صحيفة الراية ، نتمني من سيادتكم متابعينا عمل "لايك" علي صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا "صحيفة الراية - لكي يصلك جديد الأخبار " بشكل متجدد وسريع لحظة وقوع الخبر ووقت حدوثة .

المصدر : ساسة بوست